أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

535

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وكتبت « رحمة » هنا بالتاء : إمّا جريا على لغة من يقف على تاء التأنيث بالتاء ، وإمّا اعتبارا بحالها في الوصل ، وهي في القرآن في سبعة مواضع كتبت في الجميع تاء ، هنا وفي الأعراف : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ « 1 » ، وفي هود : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ « 2 » وفي مريم : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ « 3 » ، وفي الروم : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ « 4 » ، وفي الزخرف : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ، وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ « 5 » . قوله تعالى : عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ : الخمر : المعتصر من العنب إذا غلى وقذف بالزّبد ، ويطلق على ما غلى وقذف بالزّبد من غير ماء العنب مجازا . وفي تسميتها « خمرا » أربعة أقوال : أحدها : - وهو المشهور - أنها سمّيت بذلك لأنها تخمر العقل أي تستره ، ومنه : خمار المرأة لستره وجهها ، و : « خامري حضاجر ، أتاك ما تحاذر » « 6 » يضرب للأحمق ، وحضاجر علم للضبع ، أي : استتر عن الناس . ودخل في خمار الناس وغمارهم . وفي الحديث : « خمّروا آنيتكم » « 7 » ، وقال : 945 - ألا يا زيد والضّحاك سيرا * فقد جاوزتما خمر الطريق « 8 » أي : ما يستركما من شجر وغيره . وقال العجّاج يصف مسير جيش ظاهر : 946 - في لامع العقبان لا يمشي الخمر * . . . « 9 » والثاني : لأنها تغطّى حتى تدرك وتشتدّ ، ومنه « خمّروا آنيتكم » . والثالث : - قال ابن الأنباري - لأنها تخامر العقل أي : تخالطه ، يقال : خامره الداء أي : خالطه . والرابع : لأنها تترك حتى تدرك ، ومنه : « اختمر العجين » أي : بلغ إدراكه ، وخمّر الرأي أي : تركه حتى ظهر له فيه وجه الصواب ، وهذه أقوال متقاربة . وعلى هذه الأقوال كلّها تكون الخمر في الأصل مصدرا مرادا به اسم الفاعل أو اسم المفعول . والميسر : القمار ، مفعل من اليسر ، يقال : يسر ييسر . قال علقمة : 947 - لو ييسرون بخيل قد يسرت بها * وكلّ ما يسر الأقوام مغروم « 10 » وقال آخر : 948 - أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني * ألم تيئسوا أنّي ابن فارس زهدم « 11 »

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية ( 56 ) . ( 2 ) سورة هود ، آية ( 73 ) . ( 3 ) سورة مريم ، آية ( 2 ) . ( 4 ) سورة الروم ، آية ( 50 ) . ( 5 ) سورة الزخرف ، آية ( 32 ) . ( 6 ) مجمع الأمثال للميداني ( 1 / 332 ) . ( 7 ) أخرجه البخاري 7 / 303 ، كتاب الأشربة ( 5623 ) ، ومسلم ( 3 / 1594 ) ، كتاب الأشربة ( 96 - 2012 ) . ( 8 ) البيت في ابن يعيش ( 1 / 129 ) ، الهمع ( 2 / 142 ) ، الدرر ( 2 / 196 ) . ( 9 ) انظر ديوانه ( 1 / 38 ) ، والطبري ( 4 / 321 ) ، القرطبي ( 3 / 51 ) . ( 10 ) انظر ديوانه ( 77 ) ، وهو من شواهد البحر ( 4 / 14 ) . ( 11 ) البيت لسحيم ذكره ابن منظور في اللسان م « يسر » ، مشكل القرآن ( 192 ) ، الكشاف ( 4 / 517 ) .